الشيخ عبد الغني النابلسي

148

جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص

والحاصل أن العالم باللّه تعالى إذا علم علمه يجد علمه حادثا قاصرا عن مناسبة كونه علما بالكامل القديم ، ثم يسمع في كلام اللّه تعالى تسميته علما في قوله تعالى : فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ [ محمد : 19 ] ، إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ [ فاطر : 28 ] ، أي به وقوله : وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً [ الكهف : 65 ] ، ويسمع نفي العلم عن المحدثات في قوله تعالى : وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [ البقرة : 216 ] ، وقوله : وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً [ طه : 110 ] ، وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِما شاءَ [ البقرة : 255 ] ، فإما أن يرجح عنده نفي العلم فيعجز ويسكت عن الوصف عجزا منه ويقول : العجز عن درك الإدراك إدراك ، وإما أن يرجح عنده العلم فلا يعجز ، ولكن يعلم ويسكت عن الوصف علما به لقطعه بأن علمه حادث لا يليق بالقديم ، وهو قول النبي عليه السلام لحارثة : « عرفت فالزم » « 1 » ، أي الزم ما عرفته ولا تنفه ، وإن كان علمك حادثا لا يليق بالقديم ( و ) صاحب هذا القسم الثاني ( هو أعلى عالم باللّه ) تعالى ، لأنه علم جهده من العلم ولم يقصر ، ثم علم علمه الذي علمه فأعطاه السكوت لكونه قاصرا فسكت كما سكت صاحب القسم الأوّل ، إلا أن الأوّل سكت عجزا عن العلم ، والثاني سكت علما لا عجزا عن العلم ، والمراد بالسكوت عدم التكلم بنفسه فلا ينافيه التكلم بربه . * * * وليس هذا العلم إلّا لخاتم الرّسل وخاتم الأولياء ، ولا يراه أحد من الأنبياء والرّسل إلّا من مشكاة الرّسول الخاتم ، ولا يراه أحد من الأولياء إلّا من مشكاة الوليّ الخاتم ، حتى أنّ الرّسل لا يرونه متى رأوه إلّا من مشكاة خاتم الأولياء . فإنّ الرّسالة والنبوّة - أعني نبوّة التشريع ورسالته - تنقطعان ، والولاية لا تنقطع أبدا . فالمرسلون من كونهم أولياء لا يرون ما ذكرناه إلّا من مشكاة خاتم الأولياء ،

--> ( 1 ) ونص الحديث كاملا هو : عن سعيد بن أبي هلال عن محمد بن أبي الجهم عن الحارث بن مالك الأنصاري أنه مرّ برسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فقال له : كيف أصبحت يا حارث قال : أصبحت مؤمنا حقا فقال : انظر ما تقول فإن لكل شيء حقيقة فما حقيقة إيمانك فقال : قد عزفت نفسي عن الدنيا وأسهرت لذلك ليلي وأظمأت نهاري وكأني أنظر إلى عرش ربي بارزا وكأني أنظر إلى أهل الجنة يتزاورون فيها وكأني أنظر إلى أهل النار يتضاغون فيها فقال : يا حارث عرفت فالزم ثلاثا » رواه الطبراني في المعجم الكبير ، حديث رقم ( 3367 ) [ 3 / 266 ] ورواه ابن أبي شيبة في المسند ، حديث رقم ( 30425 ) [ 6 / 170 ] ورواه غيرهما .